على امتداد سنوات عمره التي جاوزت سبع عقود بقليل.. قليل جدًا، وبرغم العديد من الأغنيات الخالدة التي كتبها الخال عبد الرحمن الأبنودي خلال فترة الستينيات، فإنه لم يلتق الزعيم جمال عبدالناصر وجها لوجه سوي مرة واحدة. مرة واحدة فقط يتذكرها الخال جيدًا، لأنه حسبما قال لي، فى جلسة حميمة جمعتنا قبل شهور، فى منزله الريفي بقرية الضبعية، وحضرها صديقي الشاعر الجميل جمال حراجي، لم ينس بعد تلك النظرة الآسرة عندما صافح جمال عبد الناصر عن قرب، وتحدث معه لدقيقتين.. دقيقتين فقط وربما أقل قليلا. كان ذلك في العام 1954 أي بعد قيام الثورة بعامين، وحدث أن اجتاحت السيول مدينة قنا، فهدمت البيوت وأغرقت الأراضي، حتى أن الناس وقتها كانوا يتحركون على جذوع النخل، ويتخذونها كمطايا لقضاء مصالحهم العاجلة، بعد أن أصبح من العسير على الرجل فارع الطول أن يخوض فى الماء ولا يتعرض لغرق محتمل. يومها نزل أعضاء مجلس قيادة الثورة عن بكرة أبيهم إلى قنا وانتشروا فى قراها ونجوعها، وذهبوا إلى البسطاء الذين ضربتهم الكارثة، ويومها تقابل الابنودي ذلك الشاب الأسمراني النحيل الممصوص مثل عود قصب أكلته شمس بؤونه الحارقة، وجها لوجه مع عبد الناصر. حكي لى الخال عبد الرحمن تفاصيل ذلك اللقاء العابر، بينما كنت أشاهد ذلك البريق المثير يتلألأ فى عينيه وهو يسترجع ذكري غالية، لم تتمكن سنوات الاعتقال أن تمحوها من الذاكرة، فكأنما حدثت بالأمس القريب وليس قبل ما يزيد على نصف قرن. ليلتها قال لي الخال عبد الرحمن :"يومها كنت أسير أنا وصديق لي يدعي جمال نصار، عندما جذبني من يدي وأشار إلى ناحية اليمين وهو يقول: الحق يا عبد الرحمن .. جمال عبدالناصر هنا". كانت عربة جيب صغيرة من تلك العربات التى يعود تاريخ تصنيعها إلى أربعينات القرن الماضى، تقف وقد غرقت حتى فوانيسها الأمامية في الماء، بينما رجل طويل مثل نخلة يقف فوقها ولا أحد حوله، وقد كان الرجل هو جمال عبد الناصر بشحمه ولحمه. ويقول الخال عبدالرحمن: لم أصدق عيني .. وكان يتعين على أن اتحري من الأمر بنفسى، فلم اشعر الا وأنا أخوض في الماء حتى وصلت إليه وسألته بكل ما أوتي شاب صعيدي لم يغادر قريته قط من جليطة: - "انت جمال عبدالناصر"؟. وابتسم الرجل .. ويقول الخال عبدالرحمن بينما وجهه يتهلل بفرح طفولي : فوجئت بالنخلة دي كلها تميل على ويمد لي يده ليسلم على بحرارة وخُلق، لأنصرف بعدها وأتركه في السيارة الجيب، واقفا مثل مسلة فرعونية بينما عيناه اللتان تشبهان عيني صقر تعانق البراح المشبع برائحة طمي البلاد.. تلك البلاد التى عمل لها ومن أجلها حتى اخر ساعة فى عمره القصير. سجن الخال عبد الرحمن الابنودي فى عصر الزعيم جمال عبدالناصر، وفى ذلك قصة رواها لى وهو يضحك، ويقول:" كنا نستاهل الحبس.. لكني سجنت فوق البيعة فلم يكن لى فى هذا الأمر ناقة ولا جمل"، لكنه ينظر إلى ذلك القائد التاريخي الفذ، باعتباره ملك للشعب المصري كله، ويقول لى:" قد تكون أنت ناصري.. لكني أملك عبدالناصر مثلك تمامًا، لقد سُجنت في عصره وهذه حقيقة، لكن المفارقة أن معظم المدافعين عن عبدالناصر سجنوا في عصره". لم يهاجم الخال عبد الرحمن الابنودي الزعيم جمال عبدالناصر- وهو من هو- أبدأ من أجل سياساته، لكن خلافه معه كان حول قضية واحدة وهي قضية الديمقراطية، ورغم ذلك فإنه يقول أن من الظلم اليوم أن نحمِّل عبد الناصر مسئوليتها وحده، إذ سوف يكفيه عندما نحاكمه تاريخيا اليوم، ما قدمه لـ "مصر" عندما ضرب الإقطاع وأخرج الاحتلال، وأمَّم المصالح الاقتصادية الكبيرة لصالح الفقراء.. هؤلاء البسطاء الذين سعي الخال نفسه، بعد عقود من الزمان قضاها فى أحياء الطبقة الراقية فى القاهرة، أن يقيم بينهم، فاختار تلك الأرض الموحشة فى أدغال "الضبعية" قبل سنوات، ليتعهدها برعايته ويصبر على إصلاحها وتهذيبها ويقيم عليها بيتا جميلا، وضع تصميماته بنفسه وأشرف على بنائه حتى اكتمل، ليتحول فى غضون شهور قليلة إلى ملتقي لأهل الثقافة والفكر والفن والأدب فى مصر. الخال عبد الرحمن الابنودي الذى يقيم بيننا منذ سنوات، صار اسماعيلاويا صميما تزعجه العديد من المشكلات التى يعاني منها الفلاحون فى الأراضى المجاورة لبيته، ويحزن كثيرا على محصول المانجو، الذى كانت الإسماعيلية تنافس به حتى سنوات قليلة مضت فى الأسواق العالمية، قبل أن يتدحدر به الحال على هذا النحو الذى جري فى العامين الماضيين، حتى انه قال لى حزينا انه انقطع عن عادته القديمة فى إهداء أصدقائه فى القاهرة، بعضا مما تنتجه حديقته الصغيرة من ثمار المانجو فى كل موسم. الخال عبد الرحمن الابنودي قيمة كبيرة وقامة عالية فى سماء الأدب العربي، لا يزال يعيش بين ظهرانينا فى الإسماعيلية، من دون أن ننتبه إليه حتى فى أيام مرضه الأخيرة، أو نوفيه حقه من تكريم هو أهل له، رغم أنه قدم للإسماعيلية الكثير إذ تكفي إقامته بها لتزيدها شرفا على شرف، وأخشي أن ندرك ذلك بعد فوات الأوان، متع الله شاعرنا الكبير بالصحة والعافية وكمال القول، لنقول فى حسرة يوم لا ينفع ندم: كان يعيش بين ظهرانينا عملاق كبير اسمه عبد الرحمن الابنودي